يستعرض الدكتور مجتبى تويسركاني مسار الأزمة الإيرانية من زاوية تكشف تناقضًا عميقًا بين الدبلوماسية والحرب، حيث يتحول التفاوض نفسه إلى ساحة صراع غير معلن. ويرى الكاتب أن الانتقال السريع من طاولة المفاوضات إلى ساحة القتال لا يعكس فشل الدبلوماسية، بل يكشف خللًا بنيويًا في طريقة إدارتها.


ينشر موقع ميدل إيست مونيتور هذا التحليل في سياق تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع تركيز واضح على كيفية تشكّل نهاية الحرب قبل أن تبدأ فعليًا.


مفارقة التفاوض تحت النار


يكشف تسلسل الأحداث نمطًا متكررًا: تتقدم المفاوضات، ثم تتدخل القوة العسكرية قبل أن تصل إلى نتيجة. في فبراير 2026، ناقش الطرفان مقترحات جادة في جنيف، وأشار مسؤولون إلى إمكانية التوصل لاتفاق قريب، لكن انطلقت العمليات العسكرية قبل استكمال المسار التفاوضي.


لا تتبع القوة العسكرية هنا فشل التفاوض، بل تسير معه بالتوازي، ثم تسبقه وتحسمه. يخلق هذا التداخل ما يمكن وصفه بـ"مفارقة الحافة": كلما اقتربت الدبلوماسية من تحقيق اختراق، زادت احتمالات تقويضها عسكريًا.


تفقد التنازلات قيمتها عندما لا تشتري وقتًا، وتتحول إلى إشارات ضعف داخل بيئة لا تحمي المسار السياسي. في هذه الحالة، لا تمنح المفاوضات أمانًا، بل تزيد من هشاشة الأطراف المشاركة فيها.


نهاية لا تشبه النصر


يرجّح التحليل أن الحرب لن تنتهي بانتصار حاسم، بل بتوقف قسري للعمليات. يواجه كل طرف حدود قدرته: يكتشف المهاجم أن التصعيد لا يحقق مكاسب إضافية، بينما يكتفي الطرف المدافع بالبقاء والصمود كإنجاز بحد ذاته.


تعتمد إيران على الجغرافيا وقدرتها على توزيع كلفة الحرب إقليميًا، خاصة عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما يربك الأسواق العالمية. وحتى مع تراجع قدراتها العسكرية المباشرة، تظل أدوات التعطيل غير المباشر قائمة، مثل الطائرات المسيّرة والألغام البحرية.


في المقابل، لا يؤدي استهداف القيادات إلى انهيار النظام. يقوم النظام الإيراني على بنية مؤسسية متعددة المستويات تشمل الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والإدارية، ما يسمح له بإعادة تشكيل نفسه بعد الضربات. يوضح ذلك نمطًا متكررًا: يتلقى النظام الضربات، ثم يعيد ترتيب صفوفه ويواصل القتال.


ما بعد الحرب: نظام إقليمي مختلف


لا يعيد وقف إطلاق النار المنطقة إلى ما كانت عليه. تكشف الحرب هشاشة التوازنات التي اعتمدت عليها دول الخليج، خاصة فكرة الفصل بين الأمن والسياسة من جهة، والاقتصاد من جهة أخرى.


تعتمد هذه الدول على الولايات المتحدة في الحماية، بينما تسعى لتجنب الانخراط المباشر في الصراعات. لكن الحرب الحالية أظهرت أن هذا النموذج لم يعد مستقرًا، حيث امتدت آثار الصراع إلى مجالات التجارة والطيران والطاقة.


تتجاوز التداعيات الجانب العسكري إلى البعد الدبلوماسي أيضًا. تفقد الثقة في جدوى التفاوض عندما تتكرر تجربة انهياره قبل الوصول إلى نتائج. يؤثر ذلك على أي جهود مستقبلية، إذ تتردد الأطراف في تقديم تنازلات دون ضمانات حقيقية.


في النهاية، لا تكمن المشكلة في غياب الدبلوماسية، بل في بيئة لا تحميها. وعندما يقترب التفاوض من تحقيق تقدم حقيقي، يتحول إلى لحظة خطر بدل أن يكون فرصة للحل.


تختم هذه القراءة بفكرة حاسمة: لا تبدأ الأزمات القادمة بإطلاق الصواريخ، بل تبدأ عندما يجلس الأطراف إلى طاولة التفاوض وهم غير واثقين أن التقدم سيجعلهم أكثر أمانًا.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260318-when-diplomacy-nears-the-threshold-what-two-wars-in-nine-months-reveal-about-how-the-iran-war-will-end/